أحمد الشرباصي
124
موسوعة اخلاق القرآن
والذل هو اللين ، فينبغي بحكم هذه الآية أن يجعل الانسان نفسه مع أبويه في خير ذلة ، في أقواله وسكناته ونظراته ، ولا يحد اليهما النظر . وقوله تعالى « مِنَ الرَّحْمَةِ » لبيان الجنس ، أي ان هذا الخفض يكون من الرحمة المستكنة في النفس ، لا بأن يكون ذلك استعمالا ، ثم أمر تعالى عباده بالترحم على آبائهم والدعاء لهم ، فيقول للانسان إنه يجب عليك أن ترحمهما كما رحماك ، وترفق بهما كما رفقا بك ، إذ تولياك صغيرا جاهلا محتاجا ، فآثراك على أنفسهما ، وأسهرا ليلهما ، وجاعا واشبعاك ، وتعريا وكسواك ، فلا تجزيهما إلا أن يبلغا من الكبر الحدّ الذي كنت فيه من الصغر ، فتتولى منهما ما توليا منك ، ويكون لهما حينئذ فضل التقدم . وأرشد القرآن إلى أن علاقة الزوج بزوجته ينبغي أن تنهض على المحبة والرحمة . فقال في سورة الروم : « وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ » . والرحمة بين الزوجين تتطلب المعاشرة بالمعروف ، واحتمال الهفوة وصنع الجميل . وكذلك وصف القرآن الكريم أتباع محمد عليه الصلاة والسّلام ، الذين استجابوا له وساروا معه ، بأنهم رحماء فيما بينهم ، فقال في سورة محمد : « مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ » ، وأشار إلى مثل هذا حين قال في سورة المائدة : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ » . وجعل القرآن من صفات المؤمنين أن يوصي بعضهم بعضا برحمة الضعيف والتعطف عليه ، فقال في سورة البلد : « ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ » . وحذر من الافساد في الأرض وجعله قرينا لتضييع معاني الرحمة من النفوس ، فقال في سورة محمد : « فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ » وتقطيع الأرحام كناية عن ترك